الشنقيطي
337
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الضارّ ، والحسن من القبيح ، لا دواء له إلا إنارته بنور الوحي ؛ لأنّ نور الوحي يحيا به من كان ميتا ويضيء الطريق للمتمسّك به ؛ فيريه الحق حقّا والباطل باطلا ، والنافع نافعا ، والضارّ ضارّا ؛ قال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [ الأنعام : 122 ] ، وقال تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] ومن أخرج من الظلمات إلى النور أبصر الحقّ ، لأنّ ذلك النور يكشف له عن الحقائق فيريه الحقّ حقّا ، والباطل باطلا ، وقال تعالى : أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 22 ) [ الملك : 22 ] ، وقال تعالى : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ ( 20 ) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ( 21 ) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [ فاطر : 19 - 22 ] ، وقال تعالى : * مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا [ هود : 24 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الإيمان يكسب الإنسان حياة بدلا من الموت الذّي كان فيه ، ونورا بدلا من الظلمات الّتي كان فيها . وهذا النور عظيم يكشف الحقائق كشفا عظيما ؛ كما قال تعالى : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي إلى قوله زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 35 ) [ النور : 35 ] - ولما كان تتبّع جميع ما تدلّ عليه هذه الآية الكريمة من هدي القرآن للّتي هي أقوم - يقتضي تتّبع جميع القرآن وجميع السنة لأنّ العمل بالسنة من هدي القرآن للّتي هي أقوم ؛ لقوله تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] وكان تتبّع جميع ذلك غير ممكن في هذا الكتاب المبارك ، اقتصرنا على هذه الجمل الّتي ذكرنا من هدي القرآن للّتي هي أقوم تنبيها بها على غيرها والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا ( 11 ) [ 11 ] . في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير للعلماء . وأحدهما يشهد له قرآن . وهو أن معنى الآية وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ كان يدعو على نفسه أو ولده بالهلاك عند الضجر من أمر ؛ فيقول اللّهمّ أهلكني ، أو أهلك ولدي ؛ فيدعو بالشر دعاء لا يحبّ أن يستجاب له . وقوله دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ أي يدعو بالشرّ كما يدعو بالخير فيقول عند الضجر : اللّهمّ أهلك ولدي كما يقول في غير وقت الضجر : اللّهمّ عافه ، ونحو ذلك من الدعاء . ولو استجاب اللّه دعاءه بالشر لهلك . ويدلّ لهذا المعنى قوله تعالى : * وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ [ يونس : 11 ] أي لو عجّل لهم الإجابة بالشرّ كما يعجّل لهم الإجابة بالخير لقضي إليهم أجلهم أي لهلكوا وماتوا ؛ فالاستعجال بمعنى التعجيل .